الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

185

شرح ديوان ابن الفارض

« كأنهم ما بيننا في الهوى رسل » ، « ما » زائدة ، ووجه تشبيه العذال بالرسل أن كلا منهما يوجب ذكر الحبيب ليستريح إليه اللبيب . ( ن ) : أشار بقوله وأصبو إلى العذال ، إلى قوله في البيت قبله . ولا أغدو لمن دأبه العذل فكأنه بذلك يرى حكمة الحق تعالى في كل ما يقع من خير أو شر ، وأنه كله منافع للعباد ليترتب عليه مصالحهم في الدنيا والآخرة . وقوله كأنهم الخ . يعني أن اللائمين له على المحبة أشبهت حالتهم في تعنيفهم له على المحبة حالة الرسل الذين ينقلون أخبار المحبوبة إلى محبها ، وأخبار المحب إلى محبوبته ، لأنهم يقولون له أترك حبها فإنه مضرّة لك . وهي تريد ذلك القول منهم لفرط جمالها ودلالها وعزتها ، ويقولون لها أيضا فلان يحبك لتنفر منه وتعرض عنه ، والمحب يريد ذلك لتدوم محبته مع الهجر والجفاء من المحبوبة له . ولهذا كان مقام المحبة حجابا عن المحبوب ، لأن فيه بقية مغايرة للمحبوب وبها كان محبا . وكان بذلك الفرق بين المحب والمحبوب ، والطالب والمطلوب ، ولو كان هذا المصراع للبيت الذي قبله ومصراع البيت الذي قبله له لكان أنسب . اه . فإن حدّثوا عنها فكلّي مسامع وكلّي إن حدّثتهم ألسن تتلو [ المعنى ] هذا مفرع على ميله وصبوته إلى العذال ، لما في ضمن عذلهم من المقال عن ربة الخال ، ومالكة الجمال وصاحبة الدلال . يقول « فإن حدثوا عنها » ولو بالعذل فجميع جوارحي مسامع ، وكل عضو فيّ سامع ، ويجوز أن يخلق اللّه في جميع الأعضاء قوة السمع كما صدر سماع صوت من جميع الجهات ، قال « وكلي » بتحريك ياء المتكلم إن حدثتهم أي عنها ، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه . « ألسن تتلو » أي تتلو محاسنها فجوارحي كلها ناطقة ، وجوانحي راوية للغرام وهي صادقة ترمي وكلي مقتل وكلها سهم مصيب ، وقلت فيما يقارب ما نحن فيه : سألتك يا روحي بحقك لا تطل * مغيبك عن صب إليك مشوق إذا غبت عنه ساعة صار أعينا * يلاحظ يا مولاي كل طريق وفي البيت محاسن ظاهرة ، ولطافة باهرة تأخذ بالقلوب والألباب ، وتفضح ما في العقود من الجواهر اللباب . تخالفت الأقوال فينا تباينا برجم ظنون بيننا ما لها أصل فشنّع قوم بالوصال ولم تصل وأرجف بالسّلوان قوم ولم أسلو فما صدق التّشنيع عنها لشقوتي وقد كذبت عنّي الأراجيف والنّقل